محمد فاروق النبهان
69
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
وهنا يقع التساؤل : - هل من واجب المفسر أن يبحث عن مراد اللّه ، أم يجب عليه أن يبحث عن الدلالة المستفادة من اللفظ ؟ قد يقول قائل : ليس هناك تعارض بين القصدين ، فالمفسر يبحث عن مراد اللّه من خلال الدلالة اللفظية ، إذ لا يمكنه أن يكشف مراد اللّه إلا عن طريق الدلالة اللفظية ، ولو تجاوز تلك الدلالة لوقع في خطأ جسيم ، وانحرف عن خط الاستقامة ، وتحكم في مراد اللّه بحسب هواه . وأحيانا قد تقوده الدلالة اللفظية إلى معاني لا يمكن أن تكون من مراد اللّه ، لوجود أدلة وقرائن ومرجحات تؤكد بطلان هذا الاستنتاج ، وبخاصة إذا اصطدم هذا التفسير بمقاصد ثابتة للشريعة مستفادة من أدلة قاطعة . وهنا يبرز دور المفسر ، في توجيه الدلالة اللفظية لكي تنسجم مع التوجيهات القرآنية العامة ، فلا يمكن أن يقع التناقض بين آية وأخرى ، ولا يمكن أن يقع التصادم بين حكم وآخر ، كما لا يمكن أن يقع التنافر بين توجيه وآخر ، فالقرآن متكامل في توجيهاته ، يؤكد بعضه البعض الآخر ، وإذا ظهر التنافر والتباين بين آية وأخرى ، فهذا التنافر دال على قصور في التفسير ، ووقوف عند حدود الألفاظ ، والألفاظ متعددة المعاني ، والمعنى الأدق والأصح في تفسير الآية هو المعنى الذي يحقق ذلك التلاؤم والتكامل بين الآيات القرآنية . وتبرز عظمة المفسر وموهبته في مثل هذه المواقف الصعبة ، حيث يقف عمالقة المفسرين بشجاعة يتخطون حواجز الألفاظ الضيقة باحثين عن المعنى الأدق والأصح الذي يؤكد الانسجام والتوافق في التوجيه القرآني ، وهم في سعيهم هذا يعتمدون على أدوات التفسير اللغوية والعقلية والنظرية لكي يوجهوا النص القرآني نحو غايته المرجوة التي يدل عليها النسق القرآني العام ، وتؤكدها مقاصد واضحة للشريعة الإسلامية . وليست مهمة المفسر قاصرة على شرح المفردات وبيان دلالاتها . فهذا عمل